المنتحرون المساكين وراء السكاكين

 

الشبان الفلسطينيون يختارون الموت أو بالأصح الانتحار في العمليات التخريبية هربًا من مشاكلهم النفسية، العائلية والاجتماعية

 

في البداية يصل الخبر من قريب أو جار للام أو للأب الذين تصيبهما الدهشة فيتوجهان فورًا إلى شاشة التلفاز لرؤية الأخبار ويشاهدان اسم ابنهما او ابنتهم الذي قُتل أو أُعتقل خلال عملية إرهابية. وبعد ذلك تأتي الكاميرات والطواقم لبيت الشاب أو الفتاة ويبدأ الصحفيون العرب والأجانب بسؤال العائلة عن المنفذ قبل وصول جهات فلسطينية "معنية" لترشد العائلة كيفية بث الروح الوطنية، عندها يتحدث أبناء العائلة عن مسألة سبب القيام بالعملية وأن الابن أو الابنة قام بالعمل من أجل الانتحار للهروب من مشاكله النفسية أو العائلية الاجتماعية.

 منذ 2015 وحتى الآن كثُر عدد منفذي العمليات الإرهابية الذين قاموا بها من أجل الانتحار بسبب مشاكل مختلفة وليس بأي سياق آخر. بين المشاكل الشخصية والنفسية نجد الخلافات العائلية والعنف الأسري أو مشاكل مع الخطيب أو الخطيبة أو الزوج أو مشاكل اجتماعية وانتقادات بسبب عمل غير اخلاقي او خروج عن المألوف مثل الزنا أو المس بكرامة العائلة أو فشل في امتحانات التوجيهي، بين الأسباب للعمليات نرى أيضًا وضعًا نفسيًا نابعًا من اكتئاب عميق، يأس، مشاكل وأمراض نفسية.

في ظل عدم وجود علاج كاف للمشاكل آنفة الذكر أو بسبب إهمال تلك المشاكل النفسية أو الاجتماعية من قبل السلطات المختصة أو من قبل العائلة, يجد الشاب أو الشابة أنفسهم في طريق مسدود ويرون أن الطريق الوحيد للخروج من هذا "المأزق" يكون عبر الموت, وبما أن الانتحار هو طريق غير طبيعية وغير مقبولة بل ومرفوضة, فان المخرج يكون بتنفيذ عملية ارهابية والموت عندها يكون بمثابة موت الشهداء. إن الفرضية لدى هؤلاء أنهم يهربون من قدرهم ويأسهم عبر عملية تحسب لهم بطولية ويفوزون بلقب "شهيد" وهكذا تُغفر لهم كل خطاياهم وفي غالب الأحيان هذا الانتحار يجلب مكاسب اقتصادية ومالية لعائلته من قبل السلطة الفلسطينية أو جهات أخرى وأيضًا تتوقف العائلة عن إعالة القتيل.

 سواء قام ذلك الشاب أو تلك الصبية بالطعن بالسكين أو إطلاق النار او الدوس على دواسة البنزين ليدهس فالكثير من العمليات الإرهابية كان السبب الشخصي أو النفسي الصعب وراء قرارهم تنفيذها. وهذه ثلاثة حالات على سبيل المثال لا الحصر:

رقية أبو عيد تبلغ من العمر 13 عامًا استيقظت في بيت عائلتها المتواضع بالقرب من بلدة عناتا, وطلبت منها والدتها تحضير وجبة فطور مع سائر أخواتها وفي حين كانت الأم تخبز ورقية تقشر البطاطا, نشب خلاف حاد بين رقية وبعض أخواتها وبعدها تركت رقية البيت واعتقدت الأم أنها أخذت الماعز للمرعى القريب, ولكن دهشة الأم كانت كبيرة عندما علمت أن رقية حاولت طعن جنود إسرائيليين بالقرب من بلدة عانتوت الإسرائيلية مما حدا بالجنود لإطلاق النار عليها وقتلها, ومن التحقيق مع أبناء العائلة ومن شهادتهم في التلفزيون الفلسطيني أُثبت أن الخلاف العائلي هو الذي دفع رقية إلى تنفيذ العملية الإرهابية.

 عصام ثوابتة ابن 34 عامًا من بيت فجار كان يتلقى العلاج النفسي في مستشفى بيت لحم وذلك بحسب شهادة شقيقه وكان يحب الوحدة وقد تنقل في السنوات اللأربع الأخيرة بين الجامعة المفتوحة بالقدس وبين جامعة أبو ديس ولكن بدون استكمال تحصيله الدراسي مما أدى إلى تركه التعليم. وفي صباح يوم 22.11.2015 خرج من بيته متوجهًا إلى مفترق عتسيون وقام بدم بارد بطعن الشابة هادار بوخريس البالغة من العمر 21 ربيعًا لا لشيء إلا أن حظها السيئ جمعها في نفس المنطقة مع شاب قرر الانتحار بنيران الجنود بعد قتلها. وقبل أن يستطيع عصام طعن آخرين أطلق الجنود عليه النار وأردوه قتيلًا. لم يترك عصام وصية أو أي رسالة كما أنه لم يكن منتسبًا لأي تنظيم فلسطيني وهذا يدل أن عمليته الارهابية جاءت من ضيق نفسي ومشاكل شخصية وبدون أي تخطيط مسبق يكمن الإيديولوجية.

 

 

كان محمد تركمان شرطي فلسطيني ابن 25 عامًا من قباطية يتاجر بالسلاح الممنوع. وبعد مداهمة من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية وبدون أي علاقة بإسرائيل لبيته والعثور على الكثير من الأسلحة غير المرخصة, غضب محمد التركمان كثرا على هذا الأمر وأراد الانتقام منهم وتوريطهم مقابل إسرائيل. لذلك قام محمد بإطلاق النار على جنود إسرائيليين بالقرب من بيت ايل ورد الجنود بإطلاق النار عليه وقتلوه على الفور.

هناك العديد من المخربين الذين لم يقتلوا خلال تنفيذهم للعمليات ومن التحقيقات التي جرت معهم تبين انهم قاموا أو حاولوا القيام بالعمليات بسبب مشاكل خاصة وشخصية فمثلا ح. ق. من عورتا أصيب أثناء عملية طعن إرهابية وتبين أنه مصاب بانفصام الشخصية، أما ب. ع. من ارطاس الذي أصيب بجروح خلال عملية طعن إرهابية في افرات قال خلال التحقيق معه أنه سئم من حياته وأن اليأس جلبه للقيام بالعملية الإرهابية و- ي. ت. توجهت للقيام بعملية طعن إرهابية لأن خطيبها فسخ الخطوبة أما ص. م. فقد حاول القيام بعملية إرهابية بسبب رسوبه في امتحانات التوجيهي.

 من خلال كل الحالات التي أوردناها نرى أن هؤلاء الشبان والشابات يعانون من مشاكل خاصة وعائلية واجتماعية ولا يحظون بأي مساعدة من عائلاتهم أو محيطهم وبدون وجود أطر علاجية ملائمة أو مؤسسات رسمية ترعى هؤلاء فإن مخرجهم الوحيد يكون عبر تنفيذ عمليات إرهابية كي يُحسبوا شهداء. جنود جيش الدفاع الاسرائيلي لا يفحصون ما هي خلفية من يقوم بالعملية الإرهابية وهم يعملون فقط لمنع العمليات وقتل الإسرائيليين. حبذًا لو ينتبه الفلسطينيون بعض الشيء إلى مشاكل أقاربهم وذوي الاحتياجات الخاصة في مجتمعهم، لكان الجيل الجديد قد نما وترعرع بصورة أفضل تجعله يتعامل مع التحديات والمشاكل، متغلبًا على الصعوبات بدلًا من اللجوء إلى الأذية -  بذاته وبالآخرين الأبرياء العزل سائرًا في طريق الإرهاب.