الانتخابات في حماس: صندوق أسود

 

لا تدَع حماس للواقع أن يؤثّر فيها، ولا للضائقة التي يعيشها الغزّيون طبعًا. بعد عشرة الأعوام على تسلّم هذه المنظمة الإرهابية مقاليد السيادة في قطاع غزة وتحوّلها إلى المسؤول عن حياة مليونَي شخص، تصرّ الحركة على إدارة "العملية الديمقراطية النموذجيّة لانتخاب القيادة" في غياهب الظلام. الانتخابات سريّة، والمصوّتون والمنتخَبون غير معلَنين. ماذا يا تُرى يعرف الغزّي عن أولئك الذين يسيّرون حياته؟   

نُشرت قبل نحو أسبوعين بطريقة غير رسمية نتائج انتخاب قيادة حماس في قطاع غزة. يحيى سنوار الذي انتُخب لرئاسة المكتب السياسي لحماس في القطاع يقف في بؤرة الضوء. ماضي الرجل، مواقفه وتصريحاته في السنوات الأخيرة تشهد على أن هذه الانتخابات ستترك إسقاطات بعيدة المدى على نشاط الحركة وعلى جدول أعمالها. يحيى سنوار البالغ 55 من العمر كان قد حُكم في إسرائيل بأربعة أحكام مؤبّدة وأُفرج عنه عام 2011 في إطار صفقة شاليط. وقف السنوار في فترة محكوميّته على رأس قيادة أسرى حماس المسجونين في إسرائيل، وعُيّن عام 2015 مسؤولًا عن ملف المفاوضات مع إسرائيل في قضية المفقودين الإسرائيليين. فور إطلاق سراحه من السجن وعودته إلى قطاع غزة عام 2011، أدلى السنوار بتصريحات دعا فيها الجناح العسكري لحركة حماس إلى وضع خطة فعّالة تقود إلى الإفراج عن المزيد من الأسرى الفلسطينيين.   

 

 

أقوال السنوار في أحد التجمّعات، تشرين الأول 2011   

مثلما كان حال الحركة في أيام "العمل السري"، كذلك هي حماس اليوم وهي صاحب السيادة على أرض الواقع – الانتخابات الداخلية لاختيار قيادة الحركة تُجرى في إطار سري وَضعت أسسَه لجنةٌ تابعة للحركة. بالرغم من مزاعم الحركة بأن الانتخابات كانت ديمقراطية ومفخرة، لا يجري الكشف عن النتائج الرسمية. يشبه هذا السلوكُ حالَ الحركات السرية المقاتلة، لا حزبَ سلطةٍ حاكمة مسؤولة عن حياة مليونَي إنسان، وهو بهذا يُقصي تمامًا سكّان قطاع غزة عن عملية اختيار الأشخاص الذين يقفون على سدّة الحكم.

عملية الانتخاب وهوية المنتخِبين والمنتَخبين سرية تمامًا. مع ذلك، وعلى نقيض صارخ منه، تصوّر حماس العملية الانتخابية على أنها رمز ديمقراطي كثيرًا ما يحلو لقادة الحركة التباهي به. في اللقاء الذي جمع كلاًّ من السنوار وإسماعيل هنية، نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، تحدّث الرجلان بافتخار عن العملية الانتخابية الديمقراطية وعن الشفافية التي صاحبتها.      

بالرغم من أن العملية الانتخابية جرت بسرية وبمعزل عن السواد الأعظم لسكان قطاع غزة، فإنها ذات أهمية بالغة سواء للحركة نفسها أم لسكان القطاع. أبرزت هذه الانتخابات في المقام الأول تعزّز مكانة القادة المتشدّدين في صفوف قيادة الحركة. وبينهم السنوار والمقرَّبون منه، أمثال روحي مشتهى ومروان عيسى، خرّيجو الجناح العسكري المعروفون بمواقفهم المتصلّبة وبدعمهم لنهج المقاومة المسلّحة ضد إسرائيل. ومن المتوقَّع بأن يؤدي تعزُّز التوجّه العسكري إلى اعتماد طريق أكثر تشدّدًا وتصلّبًا في كل ما يتعلّق بالكفاح المسلّح ضد إسرائيل وأن يفاقم الفجوات بين حماس وفتح.      

تعزيز الجناح المتشدد في قيادة حماس سوف يؤول إلى استثمار أكبر بالجانب العسكري والاستعداد للمعركة القادمة. إن التصعيد ضد إسرائيل بدوره أمر متوقَّع، ويبدو أن الأوضاع سوف تتدهور بسرعة أكبر وبتردّد أقل. الاستثمار بالترسانة العسكرية سوف يقود إلى اللجوء لتقوية العلاقات مع إيران بهدف زيادة المساعدة وتلقّي المزيد من المال والسلاح، علاوة على توسيع التدريب والتأهيل اللذين تتلقّاهما الحركة من الجمهورية الإسلامية. سوف يكون هذا التركيز على الشؤون العسكرية على حساب الجهد والعمل في المجالَين السياسي والمدني. المزيد من الموارد سوف يوجَّه إلى تعزيز قدرات التسلّح ومشروع المقاومة، ما يجرّ إلى إهمال القضايا المدنية ذات التأثير المباشر في الحياة اليومية لسكان قطاع غزة.

علاوة على ذلك، تشهد نتائج الانتخابات إلى تحوّل الذراع العسكرية إلى القوة التي سوف تقرر وتصيغ استراتيجية حماس في قطاع غزة في السنين القادمة. العلاقة الوطيدة التي تجمع السنوار بمحمد ضيف تعزّز بدورها الافتراض بأن الجناح العسكري سوف يحتل من الآن فصاعدًا دورًا أكبر في عملية اتخاذ القرار في قيادة الحركة. مواقف السنوار المتشدّدة والسبل العنفيّة التي يعتمدها لإدارة ولتسوية الصراعات والمواجهات معروفة في أوساط ناشطي الحركة. مثال صارخ على هذا النهج هو اغتيال أحد قادة كتائب القسّام محمود اشتيوي الذي اعتُبر منافسًا سياسيًّا للسنوار، وقد نال الحدث تغطية واسعة في الموقع الإلكتروني لمنسّق أعمال الحكومة في المناطق.   

 الآثار السلبية لـ"نمط العمل في السراديب" التي ترفض حماس التحرّر منه ليست سيناريو نظريًّا، بل واقعًا حيًّا. تجلّى الأمر بصورة واضحة في قضية سهيل الهندي، رئيس اتّحاد العمال الفلسطينيين في الأونروا بغزة، الذي انتُخب لعضوية المكتب السياسي لحماس لكنه كذب وادّعى بأنه لم يُنتخب لشغل وظيفة في الحركة، واضطرت الوكالة فيما بعد إلى تعليق عمله بعدما تكشّفت لها حقيقة الأمر. هذا الحدث، الذي بدوره لاقى تغطية واسعة في موقع منسّق الأعمال في المناطق، يهدّد مكانة الأونروا والمساعدات الخارجية التي تتلقّاها والتي يعتمد عليها وجودها. تؤكّد هذه الحادثة أن حماس لا تتردد في المراهنة على معيشة وحياة عشرات آلاف الغزّيّين الذين يعملون في إطار الأونروا. يبدو أن الديمقراطية التي تتباهى بها حماس سوف تقود إلى تقليص حاد في خدمات الأونروا التي يعتمد عليها أكثر من نصف سكان القطاع.

تصاعد قوة الجناح المتشدد في قيادة حماس، التسريع في رفع القدرات العسكرية، دفء العلاقات مع إيران، وإهمال ميادين الحياة المدنية في ظل حكم حماس بالقطاع – كل هذا ليس إلا جزءًا من إسقاطات الانتخابات لقيادة حماس، وهي تحمل في طيّاتها عواقب بعيدة المدى على سكان قطاع غزة. مِن المستغرَب إذن أن تُجرى عملية تنطوي على تداعيات مصيرية بالغة كهذه على سكان قطاع غزة بهذه السرية المُحكمة. قلائل هم سكان قطاع غزة الذين شاركوا في هذه العملية ومُنحوا القدرة للتأثير في نتائجها. سائر سكان قطاع غزة، الغالبية العظمى منهم، مضطرون إلى التعاطي مع النتائج وتقبّلها كقدَر لا بد من التعايش معه واعتبار الانتخابات "صندوقًا أسود" قد يتجلّى بأنه ليس إلا صندوق پاندورا.