السر الذي تريد "حماس" دفنه للأبد

كيف أدى صراع النفوذ في قيادة حركة "حماس" إلى إعدام أحد قيادييها الميدانيين البارزين

​بعد عام على إعدام محمود اشتيوي، القائد الميداني البارز في "حماس"، تأتي الأسطر القادمة لتكشف عن الأسباب الخفية التي تقف وراء عملية الإعدام: صراع نفوذ قوي في قيادة الحركة، ليطفو اسم يحيي السنوار – رئيس التيار الأكثر تطرفًا داخل "حماس" – في القضية التي تشكل سابقة من نوعها.

عاد شبح اشتيوي ليحوم من جديد حول الخلافات، عشية الانتخابات الداخلية القيادية والإدارية للحركة التي بدأت مؤخرًا، مظهرة إمكانية تزايد نفوذ  السنوار، ما يعني أن الأمور تتجه نحو واقع أكثر تطرفًا وعنفًا في "حماس" خاصة والقطاع عامة.

لم يكن الثامن من شباط عام 2016 يومًا عاديًا في حي الزيتون الكائن في غزة. صرخات النسوة التي كسرت صمت الأزقة وآهات الرثاء التي علت المكان، آتية من محيط عائلة اشتيوي، جاءت كشفًا صريحًا عن الأزمة بين "حماس" والعائلة المعروفة بعلاقة أبنائها بالحركة.

كلمات الرثاء عددت محاسن محمود رشدي اشتيوي، قائد كتيبة الزيتون في "كتائب عز الدين القسام"، والمعروف بــ"أبو المجد"، الذي كان يشيّع إلى مثواه الأخير، عقب إعدامه قبل يوم،  وسط هتافات تهاجم  كبار شخصيات الجناح العسكري لـ"حماس"، وهي سابقة في القطاع، لتصوب سهامها على يحيي السنوار، رئيس التيار الأكثر تطرفًا في الحركة وأحد كبار شخصياتها، وهو مسجون سابق في إسرائيل، أطلق سراحه بموجب "صفقة شاليط".

أعدم اشتيوي، القائد الميداني البارز في صفوف "القسام"،  بأمر من قادته وعلى يد رفاقه، نشطاء التنظيم نفسه. تكشف معلومات مؤكدة الحقيقة والخفايا التي تقف وراء هذا الإجراء الاستثناء. وتتمحور حول صراع نفوذ في صفوف الحركة،  تديره قوى داخلية تمتهن القوة من أجل الوصول إلى السلطة.

​​​

فوفقًا للمعلومات -  أثار  محمود اشتيوي  قلق  يحيى السنوار وأتباعه، أكثريتهم من قادة الألوية في الجناح العسكري، بعد أن بدأ  نجم قائد كتيبة الزيتون  يلمع  في كواليس "حماس"، ليغدو  صاحب علاقات وطيدة  مع كبار قيادييها، تزامن الأمر مع توجيهه انتقادات علنية لمسؤولين أرفع منه رتبة، وهم من معسكر السنوار يتقدمهم؛  عز الدين الحداد، قائد لواء غزة الجنوبي ومسئوله المباشر، و رائد سعد الذي ترأس قيادة لواء شمال غزة وهو من مؤسسي نظام الصواريخ والمدفعية في "حماس".

مواقف اشتيوي العلنية المنتقدة، شكلت تحديًا لـ السنوار ورفاقه. تحدي، كان لا بد من إزالته وإيجاد السبيل للتخلص منه .

وبحسب المعلومات الواردة، أحدثت قضية اشتوي بلبلة خلف كواليس "حماس"، لا زالت ترددات تداعياتها تفعل فعلها حتى اليوم،  وأدت إلى انقسامات على مستوى كبار القادة على خلفية نقاشات تنوعت فيها المواقف وتناقضت؛ إذ رأى البعض أن من شأن هذه القضية  التأثير على صورة الحركة أمام جمهورها، لا سيما أنها تأتي في فترة حرجة، نتيجة  الأزمة المدنية والإنسانية التي يعاني منها قطاع غزة. في حين هاجم آخرون الديكتاتورية الآخذة بالاتساع داخل "حماس" على حساب مبدأ الإجماع  المعتمد في اتخاذ القرارات الاستراتيجية،  فيما احتجت  أصوات أخرى على عدم إجراء محاكمة لـ اشتيوي وإدانته علنًا، لتتلاشى القضية بعد ذلك بسبب الخوف الذي يتربص بالكثيرين في الحركة نتيجة ازدياد قوة التيار المتطرف بقيادة السنوار، على ما يبدو.

من أزقة غزة إلى قيادي في كتائب القسام

 رحلة  محمود اشتيوي مع " حماس"، بدأت عام 1995، منذ أن كان شابًا في الثانوية العامة،  قرر الانخراط  في صفوف "القسام" ليسير على خطى شقيقه البكر أحمد الذي قتل عام 2003 في مواجهات مع قوات جيش الدفاع . تزامن  انتسابه إلى الجناح العسكري لـ"حماس" مع بداية الأيام الأولى لـ "اتفاق أوسلو"الذي أفضى إلى ترسيخ سلطة السلطة الفلسطينية  ميدانيًا ، والتي ترجمت بمواجهات متكررة مع نشطاء "حماس" .

تمكن اشتيوي الشاب من إثبات نفسه، وتدرج في صفوف الجناح العسكري، من ناشط عادي، إلى قائد وحدة حتى أصبح من القياديين البارزين لـ"القسام " في مدينة غزة . وكان مصدر إعجاب وتقدير من قبل قاداته  لدوره في المواجهات  مع جيش الدفاع، في عملية الرصاص المصبوب (2008- 2009)، عامود السحاب (2012) والجرف الصامد (2014). جعله هذا التقدير محط أنظار وثناء، وسببًا رئيسًا في توطيد العلاقة الشخصية بينه وبين قيادي "حماس" في غزة، خصوصًا إسماعيل هنية - رئيس المكتب السياسي للحركة.

 

زلزال  في أروقة "حماس"

إن الخطوة الواثقة التي بدأها هذا الشاب بانخراطه في "حماس" وجعلته أحد قياديي جناحها العسكري تعثرت في كانون الأول عام 2015 .

ملكت الصحفية بثينة اشتيوي، شقيقة محمود،  من الجرأة ما جعلها أكثر المنتقدين العلنيين لـ "الحركة الإسلامية" عبر صفحتها على الفيسبوك التي أقامتها إحياءً لذكرى أخيها، حيث وصفت بشكل دقيق ما حصل تلك الليلة، 12 نيسان 2015، متحدثة عن لحظات الرعب التي عاشتها العائلة بعد مرور 3 أشهر على توقيف محمود بصورة مفاجئة من قبل  التنظيم الذي انتمى إليه.

"... أول الداخلين إلى البيت كان يحيى السنوار، يمسك أخي بيد فيما يصوب بيده الأخرى مسدسًا موجهًا نحو العائلة "

أكملت بثينة قصتها لتروي كيف أقدم ملثمون ينتمون إلى الجناح العسكري لـ"حماس" وجهاز مخابراتها، المجد، على قطع الطرق المؤدية إلى بيت العائلة وكيف قاموا بالعبث به غير آبهين لأفراد العائلة وبالأخص إلى والدي محمود كبار السن، لتضيف الشقيقة أنه وقبل خروجه قطع السنوار وعدًا على  الوالد  بتحرير ابنه خلال سنوات إلى حين نسيان "أسرار القسام".. ولكن نهاية محمود على نحو  التي تمت به،  جاءت معاكسة لكلمة الوعد .

Shtewi 4.jpg 

الأشهر التي أعقبت الاعتقال واقتحام البيت، أحرجت "حماس" كثيرًا لدرجة أنها تمنت محوها من الذاكرة، لما شهدته من خطوات تصعيدية اتخذتها عائلة اشتوي التي سيرت  مظاهرات واعتصامات أمام بيت اسماعيل هنية في مخيم الشاطئ، تطالب علنًا بتوضيح سبب اعتقال ابنها وعرض دليل إدانة بحقه بعد أن كان منذ وقت قريب أحد "أبطال القسام".

ولممارسة المزيد من الضغط، أرسلت العائلة رسالة مفتوحة إلى قيادة "حماس" في الخارج ممثلة برئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل. أمر كشفه محمد أثناء تأبين شقيقه المقتول.

هذا ولم تكتف العائلة بذلك، بل وجهت دعوة مصورة لقائد "كتائب القسام"، تظهر فيها  والدة محمود تطالبه بإطلاق سراح ابنها، مذكرة إياه بالدور الذي لعبته عائلة اشتيوي في تأمين مخبأ له وإنقاذ حياته.

السنوار يبتكر الحل للتخلص من "صداع اشتيوي"

  

بقي محمود اشتوي  خلف قضبان حبس "حماس" حوالي السنة، ليتقرر إعدامه بصورة مفاجئة ودون سابق إنذار، أعلنته قيادة الحركة رسميًا في السابع من شباط 2016، معللة الحكم  بأسباب "أمنية وأخلاقية"، لتتكاثر الشائعات بعد ذلك وتتعدد الأقاويل التي أدت إلى تنفيذ الحكم: بدءًا من إقامة علاقات مثلية مرورًا بتلفيق الأموال والفساد وصولًا إلى اتهام اشتيوي بتعامله مع الموساد، وفي هذا الإطار تم الادعاء أن رجل "القسام" "أبو مجد" والمقرب من محمد الضيف كان قد كشف مكانه لجهاز الموساد الإسرائيلي ما أدى إلى  استهداف بيته في صيف 2014 خلال عملية "الجرف الصامد".

كان تشييع محمود اشتيوي بمثابة المحطة الأولى التي بدأت فيها العائلة مهاجمة قياديي "حماس" في سابقة لم تعرفها شوارع غزة من قبل، لتتوالى الانتقادات والأصوات المهاجمة لكافة قيادي الجناح العسكري "القسام" على رأسهم يحيى السنوار، شقيقه محمد الذي شغل منصب قائد لواء خان يونس، أيمن نوفل، الذي كان قائد لواء مركز القطاع، ما حدا بشخصيات حمساوية رفيعة المستوى بالتوجه إلى  وجهاء العائلة لإيقاف الاعتصامات، دون أن تفلح بمحاولاتها.

لم توفر بثينة، شقيقة محمود،  محطة تلفزيونية إلا وقصدتها لعرض قضية أخيها ومهاجمة يحيي السنوار الذي نعتته بـ "الرأس المدبر" لعملية الإعدام، لتطال الانتقادات إسماعيل هنية بسماحه تنفيذ الحكم.

Shtewi 5.jpg 

بحسب العديد من الفلسطينيين، حكم الإعدام الذي نفذ بحق اشتيوي، لم يكن الأول لـ"حماس" في تصفية كوادرها ومحاولة طمس فعلتها، فقد سبق لها  وأعدمت أحد أهم المتحدثين باسمها في القطاع وهو أيمن طه، ابن محمد طه، من مؤسسي الحركة التي وظفت كافة إمكانياتها  لإخفاء الأمر. يذكر أن طه وجد مقتولًا عام 2014 في صيف عملية "الجرف الصامد" تحت أنقاض بيت تم استهدافه، إلى أن معطيات تشريح جثته أفادت أنه مات مقتولًا بالرصاص. في هذه القضية، أيضًا، كثرت الأقاويل التي شاعت في الشارع الفلسطيني، متحدثة عن قضايا فساد وعلاقات مع أجهزة استخبارات عربية

حدث الماضي ... هل يصبح واقعًا روتينيًا؟

إن قصة إعدام اشتيوي، بحسب مصادر غزوية، لم تصبح من قصص الماضي، بل ما زالت متأججة في عمق القطاع، تلقي بثقلها على الواقع الحالي، لا سيما عشية الانتخابات الداخلية لقيادة "حماس"، حيث يحوم طيف اشتوي مجددًا ليحذر من ازدياد نفوذ الجناح الأكثر تطرفًا والذي من شأنه أن يجر القطاع والحركة إلى مغامرات كارثية.

 يثير نجاح السنوار وأتباعه في الانتخابات قلق الكثيرين من الفلسطينيين داخل الحركة وخارجها، فازدياد نفوذه من شأنه إحداث تغييرات جذرية على صعيد القيادة الداخلية لـ"حماس". هذه المخاوف تسري، أيضًا،  في أروقة السلطة والدول العربية التي تمتلك تأثيرًا في الساحة الفلسطينية؛ كمصر، الأردن وحتى قطر الداعم الأساسي للحركة.

لا شك أن أصوات نسوة عائلة اشتيوي ضد  قياديي "حماس" لا تزال تقض مضجع الحركة حتى يومنا هذا، نظرًا لما قد تحمله من تداعيات واسقاطات تؤول إلى تأجيج الشارع ضد "حماس" وممارساتها وبالتالي نظامها.