هل ينبغي لسكّان غزّة أن يقلقوا من التقارب بين حماس وإيران؟

 

بعد فترة طويلة من القطيعة، تتعزّز العلاقات بين حماس وإيران. تعبّر منظمة حماس الإرهابيّة عن رضاها عن الحصول على الأموال والدعم من إيران، ولكنّ المشكلة هي أنّ نظام ولاية الفقيه الشيعيّ، لا يأخذ بعين الاعتبار سكّان غزّة، وقد يؤديهم إلى أسوأ وضع في التاريخ شهده قطاع غزّة.

​​في الأشهر الأخيرة، كان بالإمكان أن نلاحظ التقارب العلنيّ بين حماس وإيران. لم تعبر شخصيات إيرانية رفيعة المرة تلو الاخرى عن تأييدهم لحماس والتزامهم بتقديم المساعدات للمنظمة الإرهابيّة فحسب، بل إنّ حماس نفسها أيضًا، تُبدي علانية مودّتها تُجاه نظام ولاية الفقيه الشيعيّ. وفي الآونة الأخيرة فقط، زارت وفود حماس إيران، وعلى رأسها كبار أعضاء التنظيم الإرهابيّ الذين أعلنوا ولاءهم لإيران. فعلى سبيل المثال، قال زعيم حماس في غزّة, يحيى السنوار مؤخّرًا إنّ "إيران هي أكبر مؤيّد لكتائب عز الدين القسام (الجناح العسكري لحماس)".

hamasiraninside1.jpg 

صحيح أنّه لم تمضِ سنوات عديدة منذ مغادرة قادة حماس الكبار قاعدتهم في سوريا في عام 2012، خطوة اعتبرت في حينها اختيارًا في الانفصال عن إيران وحلفائها. ومع ذلك، ومع تولّي قيادة حماس الجديدة زمام الأمور، وفي أعقاب عزل المنظّمة الإرهابيّة عن الدول السنّيّة الأخرى في المنطقة، يبدو أنّ حماس اختارت أن تعتمد، استراتيجيًّا وحصريًّا، على المساعدات السياسيّة والاقتصاديّة التي تقدّمها الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة.

إنّ للارتباط الإشكاليّ بين إيران وحماس آثارًا سلبيّة بعيدة المدى، خاصّة بالنسبة إلى سكّان غزّة. فأوّلًا وقبل كلّ شيء، الطموح الرئيسيّ للدولة الشيعيّة هو تصدير الثورة الإسلاميّة إلى جميع أنحاء الشرق الأوسط، حتّى لو كان معنى ذلك عدم الاستقرار الإقليميّ. وعادة ما تتّخذ إيران طريق الإرهاب لتحقيق أهدافها، ولن تتردّد في زعزعة الوضع الحسّاس في قطاع غزّة في سبيل النهوض بمصالحها. بالطبع، إيران لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح سكّان غزّة، الذين قد يكونون الضحايا الرئيسيّين لتدهور الوضع في قطاع غزّة نتيجة لتحسّن العلاقات بين الجانبين. مجرّد التفكير في ما يمكن أن يحدث إذا بدأت إيران مواجهة الدول المعتدلة في المنطقة وسيتطلّب من حماس أن تتّخذ موقفًا فعّالًا تدعم فيه المحور الشيعيّ الراديكاليّ الذي يهدّد منطقة الشرق الأوسط برمّتها. وعلاوة على ذلك, أي معركة مستقبلية بين إسرائيل والمحور الشيعي قد تضطر حماس خلالها إلى الوقوف في خندق واحد معه في حربه ضدّ إسرائيل والأطراف المعتدلة في المنطقة. ومن المؤكد أن هذه الحرب غير الضرورية تضع غزة في طريق الأذى فالغزيون قد يدفعون ثمنًا باهظًا.

hamasiranview2.jpg 

 

إنّ التحسّن في العلاقات بين حماس وإيران لا يُلحق الضرر بسكّان غزّة فحسب، بل بالدول المعتدلة في المنطقة أيضًا، وخاصّة مصر والسعوديّة وتركيا، لأنّ إيران معنيّة بأن تصبح قوّة إقليميّة في الشرق الأوسط على حساب هذه الدول. بناءً على ذلك، أعربت مصر بالفعل عن استيائها من تعزّز العلاقات بين الدولة الشيعيّة الإرهابيّة العظمى وحركة حماس.

صحيح أنّ مصر تمتنع حاليًّا عن اتّخاذ إجراءات على أرض الواقع من شأنها أن تمنع التقارب الإشكاليّ بين الجانبين، ولكنها قد تأخذ اجراءات في المستقبل  للرد على هذا التقارب كإغلاق معبر  رفح ومنع إدخال الوقود للقطاع . الواضح هو أنّ سكّان غزّة يكونون الخاسرين. وفي هذا السياق، من المتوقع أن تقلّل الدول الأخرى المهتمة بالاستثمار في قطاع غزّة وإرسال المساعدات، مثل الإمارات العربيّة المتّحدة والمملكة العربيّة السعوديّة، من لهفتها في أعقاب تعزيز العلاقات بين حماس وإيران.

تجدر الإشارة إلى أنّ كبار الشخصيّات في حماس ليس لديهم أيّ توافق في الآراء حول الخطوة الاستراتيجيّة وهي التقرّب من الدولة الشيعيّة. في حين أنّ الرجل الثاني في حماس صالح العاروري، الذي يجلس مرتاحًا في لبنان متمتّعًا برعاية حزب الله وإيران، يشعر بأنّه ملتزم، ولذلك يعلن، مرارًا وتكرارًا ولاءه للإيرانيّين. ومع ذلك، فإنّ قادة حماس في قطاع غزّة لا يتّفقون على هذه القضيّة، وهم على استعداد لتقديم تنازلات بشأن الولاء المطلق لإيران إذا طلبت دول أخرى مثل مصر ذلك. وقد تسبّب الخلاف حول القضيّة الإيرانيّة بالفعل فى توتّرات بين زعيم حماس في قطاع غزّة يحيى السنوار وصالح العاروري، ممّا قد يؤدّي إلى انشقاق  بين القيادات وصراعات داخلية بينهم.

في الفترة القريبة من المتوقّع أن تزيد إيران من تأثيرها على حماس، كجزء من تركيز جهودها على حدود دولة إسرائيل، سواء في سوريا أو في غزّة. تتلقّى حماس بصدر رحب نفوذ إيران وتخضع لسلطتها، ممّا يؤكّد عودة المنظّمة الإرهابيّة إلى محور الشرّ الذي تقوده إيران. وقد يؤدّي ذلك إلى زعزعة استقرار المنطقة وجباية ثمن باهظ من قطاع غزّة. لكن لا يبدو أنّ حماس تبالي في أنّ أكبر الخاسرين سيكونون سكّان غزّة.