في يومها العالمي- المرأة الفلسطينية بين تداعيات العادات والتقاليد وانعكاسات التحرر

​يحتفل العالم في الثامن من مارس/آذار من كل عام باليوم العالمي للمرأة، حيث يتم استعراض الإنجازات التي حققتها والتي تصبو إلى تحقيقها. هو اليوم الذي يدفعنا للتأمل بالأنشطة النسائية لا سيما في المجتمع الفلسطيني؛ وما تواجهه المرأة من تحديات وأسباب ندرة تفاعلها مع ما يطرح من مشاريع مهمة وحيوية، لتبقى محور اهتمام لدورها وواقعها وأهميتها في مجتمعها.

يسلط اليوم العالمي للمرأة الضوء على "إعلان بكين" الذي صادقت عليه 198 دولة قبل عقدين ونصف، وتطلق فيه الأمم المتحدة حملة لتفعيل الإعلان وتجديد الالتزام به، وهو بمثابة خريطة طريق لتحقيق حقوق المرأة حول العالم، إلا أن التحديات لا زالت تفرض العديد من العقبات التي تحول دون تمكين المرأة من حقوقها على شتى المستويات والأصعدة، لتطوف إلى العلن مجتمعات باتت العادات والتقاليد هي المتحكمة بالنساء ضف إلى العوامل الاقتصادية والحروب التي تزيد سلاسل تقوقع المرأة، خصوصًا في العالم العربي، حيث يأتي هذا اليوم بظلال كئيبة يعكس معاناتهن في ظل التعسف التي تعانيه المنطقة، لتبرز المرأة الفلسطينية التي ورغم كل التحديات الاجتماعية والثقافية التي تعانيها باتت تشق طريق التحرر لتعزز وجودها ككيان يعي دوره وأهميته وتتبوأ أهم المناصب، هنا تقول الناشطة النسوية الفلسطينية ريما جردات في لقاء خاص مع موقع المنسق: "واكبت المرأة الفلسطينية التقدم والتطور العلمي في كافة المجالات لينعكس ذلك على آلية تفكيرها وأهمية تفاعلها في المجتمع،  ترجم ذلك عبر زيادة عدد النساء المتعلمات والعاملات في الآونة الأخيرة وامتلاك أكبر قدر من المؤهلات "

 تشكل النساء نحو نصف المجتمع الفلسطيني، ورغم تزايد انخراطهن في القوى العاملة فإن نسبة المشاركة ما زالت متدنية مقارنة مع الرجال، إذ تشير المعطيات أن مشاركتها في سوق العمل لا تتجاوز الـ 14% .

 

 

وهنا  تضيف جردات : من أهم التحديات التي تواجهها المرأة الفلسطينية هو عدم توفر فرص العمل وقلة المادة بسبب غياب المبادرات التي تدعم المجال النسوي والاهتمام به (..) فالمرأة الفلسطينية تمتلك الكثير من الصفات المميزة لكن تريد من يدعمها ويأخذ بيدها"

وهنا تطرق جردات إلى العمالة في إسرائيل وتقول: "الكثيرات يرغبن في العمل في إسرائيل لكن التقاليد والعادات تحول دون ذلك اذ يحتم العبور عبر المعابر المشتركة مع الرجال لذا نناشد دولة إسرائيل إقامة ممرات خاصة لهن .. وتسهيل فرص العمل فنحن في نهاية المطاف نريد العمل والتعايش، على أمل أن يعم السلام "

إذًا، تغيب شريحة كبيرة من النساء عن الدور الرائد في المجتمع الفلسطيني التقليدي بشكله العام، حاله حال أي مجتمع عربي، حيث تحدد مهمة المرأة منذ ولادتها لتحصر في إطار البيت والزواج، ولكن كثيرات منهن كسرن هذا النمط وتفوقن في مجالات عملهن، فقد تتنوع النماذج النسوية الفلسطينية في المساهمات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تدعو إلى رسالة سامية تستهدف الإنسان،  فمؤخرًا لمع اسم عبلة جابر في برنامج "أمير الشعراء" وهي القائلة في إحدى مقابلاتها "أريد للشعر أن يكون رسالة محبة وسلام. فالأدب وحده قادر على أن يجعل الحياة أجمل ولو كذبًا"

ليضيء اسم الأكاديمية الفلسطينية د. زينة منير بركات في إنجاز جديد حقّقته بعد حصولها على شهادة الدكتوراه في تخصص التسامح من جامعة فريدريك شيلر الألمانية العريقة.

دون أن يغيب اسم حنان الحروب التي فازت بأفضل معلمة لعام 2016، لاعتمادها منهجًا تعليميًا يحرر الأطفال من مفاهيم العنف.

اللائحة تطول لتعكس تطور المجتمع الفلسطيني، ودخول المرأة إلى ميدان العمل، ومشاركتها في الحياة العامة.  لكن كل ذلك لا يغيّب الواقع التي تعانيه بعض النساء اللواتي لا زلن أسيرات المجتمع التقليدي الذي ما برح يعيد إنتاج ثقافة تعتبر "الزوج سترة" و"دوِّر لبنتك قبل ان تدوِّر لإبنك".

Int-Women-Day-4.JPG 

تتعرض بعضهن لعنف مستمر تتعدد أشكاله لتبقى تداعياته واحدة، الكثيرات من النسوة والفتيات الفلسطينيات لا زلن يعانين من العنف الأسري، الأكثرية منهن يعتمدن الصمت لأن العرف العائلي والعادات يمنعهن من البوح من معاناتهن خارج سوار بيوتهن ليترجم البعض رفضهم للواقع بالهروب واللجوء إلى يد تمد لهم المؤازرة والدعم، إلا أن الضعف والعنف عند بعضهن حولهن إلى ثائرات على واقع مزري ليصوغ منهن سيدات مستقلات حال  أنيسة عياد  تلك  المرأة الفلسطينية العصامية التي أعالت أطفالها الثلاثة وعملت بجد وكد بعد أن تركها زوجها وهاجر إلى الخارج، رفضت أن تكون تحت جناح أحد، جنت ثمار تعبها لتقدم لأطفالها عيشة مشرفة وهي التي تعمل في الإدارة المدنية منذ عشرات السنين تقول لموقع المنسق :

المرأة الفلسطينية تعيش حالة انفتاح لا يراها الجميع، ولا يعترف بها البعض (..) ضعف المرأة في محيطها يعود إلى عدم دعم عائلتها لها، لكنه أيضًا مسؤوليتها  فحين تكون منتجة تصبح أكثر استقلالية وفي مكانة أقوى" وتضيف في معرض تعليقها على وظيفتها في الإدارة المدنية "هنا نجد الكثير من الدعم ونعيش كعائلة واحدة نتشارك كل شي، يتوفر الاحترام ويسود التعاون، نعيش كعائلة واحدة رغم تنوع ثقافاتنا، الأمر الذي يزيدنا قوة ويجعل من واقعنا مساحة للتقدم والانفتاح"

متطرقة إلى حال الفتيات اللواتي يلجأن للهروب تحت صورة "مخربات"

"على الأهل أن يهتموا ببناتهم، أن يتفهموهن قبل أن يفوت الأوان، وعلى الفتيات عدم الاستسلام بل العمل على فرض التغيير بالتعليم وتنمية الفكر"

 تتعدد نماذج النساء الفلسطينيات ولكنهن يتشاركن برغبة على التقدم وخوض مضمار العمل، يحتجن إلى التشجيع والدعم بقدر حاجاتهن إلى توفر فرص عمل  تختم الناشطة الفلسطينية جردات بضرورة "أن تكون المرأة فاعلة وأن تفجر واقعها المزري باللجوء إلى تحقيق الذات، بالعمل، الدراسة لا بالاستسلام والعنف"

المرأة هي قلب وعقل المجتمع، لا بل هي عماده وأساس الأجيال، فالمجتمع القوي يقوم على كتف نساء فاعلات ومثقفات، فبدون أن تؤدّي المرأة دورها لا يمكن أن تسير عجلة الحياة، المرأة هي نصف المجتمع وشريكة الرجل وسنده، لا يمكن المراهنة على أي تغيير في المجتمع الفلسطيني مع إغفال الدور الحيوي والطليعي للمرأة الفلسطينية ..

ولها نقول: كل عام وأنت امرأة!

Int-Women-Day-3.jpg